بين غطرسة التعامل مع إيران والانبطاح أمام أمريكا لبنان على طريق 7 أيار جديد يبدو أن لبنان يعيد إنتاج خطأ عام 2008، ولكن ه
بين غطرسة التعامل مع إيران والانبطاح أمام أمريكا: لبنان على طريق 7 أيار جديد
يبدو أن لبنان يعيد إنتاج خطأ عام 2008، ولكن هذه المرة تحت شعار "الدولة" و"السيادة". فمن خلال إدارة ملف التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، يتصرف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكأنهما مندوبان لترتيب تسوية استسلامية، لا كرئيسي دولة مهمتهما حماية الحدود والقرار الوطني.
الورقة الأمريكية التي تتبناها الحكومة اللبنانية واضحة في مضمونها: نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي من النقاط الخمس ووعود بالإعمار.
لكن الوقائع الميدانية تسير في الاتجاه المعاكس. فإسرائيل تتفاوض تحت النار، عبر تكثيف القصف، وهدم المنازل، والتوسع في "الخط الأزرق" جنوباً لتثبيت وقائع جديدة قبل أي توقيع. بمعنى آخر، هي تأخذ كل شيء ميدانياً قبل أن تقدم أي التزام سياسي.
أما الولايات المتحدة، الراعية لهذا المسار، فلم توقف طلقة واحدة، ولم تمارس ضغطاً حقياً على تل أبيب، ولم تقدم أي ضمانة فعلية. كل ما تطرحه هو وعود استثمارية وإعمارية مؤجلة إلى ما بعد التسليم.
هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا هذا الإصرار على الانبطاح؟
الإجابة تتضح عند مقارنة أسلوب تعاطي الدولة اللبنانية مع محورين إقليميين:
أولاً: مع إيران
قدمت إيران للبنان دعماً عسكرياً في وقت كان فيه الجيش يعاني شحاً في العتاد، ودعماً مالياً أثناء الانهيار الاقتصادي، وغطاءً سياسياً خلال فترات الحصار.
وكان رد الدولة اللبنانية هو التجاهل المتعمد، والخطاب المتعالي، ومحاولة شطب هذا الدور من المعادلة إرضاءً لواشنطن. كأن عقوداً من الدعم يمكن محوها بقرار سياسي لأن السفارة الأمريكية لا ترضى عنه.
ثانياً: مع الولايات المتحدة
لم تقدم واشنطن للبنان سوى الشروط والوعود. لم توقف العدوان الإسرائيلي، ولم ترفع الحصار المالي، ولم تسهم فعلياً في إعادة الإعمار.
ومع ذلك، تحوّل التعاطي معها إلى خنوع سياسي كامل. طلباتها تتحول إلى أوامر، ومبعوثوها يتفاوضون كما لو كانوا أصحاب القرار الفعلي. وبذلك تسلم الدولة اللبنانية ورقة قوتها الوحيدة مقابل سراب.
هذا التباين في التعاطي هو ما يهدد بتفجير الداخل اللبناني.
فالمطلوب اليوم من شريحة واسعة من اللبنانيين التخلي عن سلاحهم مقابل وعود أمريكية غير مضمونة، بينما يُعامل الطرف الذي وقف إلى جانبهم في الأزمات كعبء يجب التخلص منه.
النتيجة تبدو مكررة لكنها أخطر. ففي عام 2008 انفجر الوضع عندما حاول فريق فرض معادلته بالقوة. اليوم المشهد معكوس، لكن خطر الانفجار أكبر. فاستمرار مسار الإذلال السياسي يولّد شعوراً لدى جزء من اللبنانيين بأن الدولة تسلّمهم لإسرائيل على طبق من ذهب. وهذا الشعور لا ينتهي ببيان استنكار، بل قد ينتهي باشتباك داخلي وانهيار أمني يجعل أحداث 7 أيار تبدو محدودة مقارنة به.
إن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يبيّعان الناس وهم "الحياد" و"الدولة"، بينما يدفعان البلد في الواقع نحو حرب أهلية باردة. فلا دولة تُبنى على الإذلال، ولا شعب يقبل العيش تحت سقف الذل مهما سمّي "استقراراً".
إذا استمر هذا المسار، فستُكتب نهاية هذين العهدين سياسياً، والأخطر، سيُفتح فصل جديد من انهيار لبنان لن يقدر أحد على جمعه.
حمزة العطار
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها